البرلمان المقبل.. حين يصبح انتظار المغاربة امتحانًا للثقة

مع اقتراب الاستحقاقات التشريعية المقبلة، يعود سؤال البرلمان إلى واجهة النقاش العمومي، ليس فقط باعتباره مؤسسة دستورية تتولى التشريع ومراقبة عمل الحكومة، وإنما باعتباره إحدى الواجهات الأساسية التي يقيس من خلالها المواطن مدى جدية المؤسسات في الاستجابة لانشغالاته اليومية.
فالمغاربة لا ينتظرون من البرلمان المقبل مجرد قوانين جديدة، ولا خطابات سياسية موسمية، ولا سجالات حزبية تحت قبة المؤسسة التشريعية. ما ينتظرونه، في جوهره، هو برلمان أكثر التصاقًا بالواقع، وأكثر قدرة على تحويل المشاكل الاجتماعية والاقتصادية إلى أسئلة سياسية وتشريعية واضحة، وعلى مساءلة الحكومة بشأن السياسات العمومية ونتائجها.
لقد تغيرت طبيعة انتظارات المواطن المغربي خلال السنوات الأخيرة. فارتفاع كلفة المعيشة، وتحديات التشغيل، والضغط على الخدمات الصحية والتعليمية، والفوارق المجالية، وقضايا الماء والسكن والنقل، كلها ملفات تجعل المواطن أكثر اهتمامًا بما تستطيع المؤسسات أن تفعله على أرض الواقع، وأقل اكتراثًا بالصراع السياسي الذي لا ينعكس على حياته اليومية.
من برلمان التشريع إلى برلمان الفعل والرقابة
أحد أبرز التحديات التي تنتظر البرلمان المقبل يتمثل في تعزيز وظيفته الرقابية. فالقوانين تظل ضرورية، لكنها لا تكفي وحدها لتقييم الأداء البرلماني. المواطن يريد أن يعرف أيضًا: ماذا فعل نوابه تجاه الملفات التي تشغله؟ كيف تابعوا تنفيذ البرامج الحكومية؟ وما مدى قدرتهم على مساءلة المسؤولين عن الاختلالات أو التأخر في تنفيذ السياسات العمومية؟
وتكتسب الرقابة البرلمانية أهمية خاصة لأنها تضع الحكومة أمام مسؤوليتها السياسية والمؤسساتية. فالسؤال البرلماني، واللجان، ومناقشة السياسات العمومية، وتقييم البرامج، ليست مجرد آليات إجرائية، بل أدوات يمكن أن تجعل البرلمان أكثر حضورًا في الحياة العامة.
ومن هنا، فإن التحدي أمام البرلمان المقبل لن يكون فقط في إنتاج النصوص القانونية، بل في متابعة أثرها وقياس نتائجها. فالقانون الجيد ليس فقط ذلك الذي يصاغ بلغة دقيقة، وإنما ذلك الذي يعالج مشكلة حقيقية ويكون قابلًا للتطبيق ويحقق الغاية التي وضع من أجلها.
القدرة الشرائية.. الملف الذي يلامس الجميع
يصعب الحديث عن انتظارات المغاربة من دون التوقف عند القدرة الشرائية. فالمواطن لا ينظر إلى الاقتصاد من خلال المؤشرات الكلية وحدها، وإنما من خلال ما يتبقى من دخله بعد أداء تكاليف السكن والغذاء والنقل والتعليم والصحة وغيرها من المصاريف الأساسية.
وفي هذا السياق، ينتظر المواطن من المؤسسة التشريعية نقاشًا أكثر عمقًا حول السياسات الاقتصادية والاجتماعية، بعيدًا عن التفاعل الظرفي مع ارتفاع الأسعار. المطلوب هو مساءلة الخيارات العمومية المتعلقة بالدخل، والضرائب، والمنافسة، والاستثمار، والحماية الاجتماعية، ودعم الفئات الأكثر هشاشة.
كما أن البرلمان مطالب بأن يكون فضاءً للنقاش حول العدالة الاجتماعية وتوزيع ثمار النمو، وأن يساهم في تقييم مدى استفادة مختلف الفئات والمناطق من السياسات العمومية.
الصحة والتعليم.. أولوية تتجاوز الحسابات السياسية
إذا كانت هناك ملفات يمكن أن تجمع حولها مختلف فئات المجتمع، فإن الصحة والتعليم يظلان في مقدمتها. المواطن يريد مستشفى يوفر له العلاج في ظروف تحفظ كرامته، ومدرسة عمومية تمنح أبناءه فرصًا حقيقية للنجاح، ومنظومة تعليمية تستجيب للتحولات الاقتصادية والتكنولوجية والاجتماعية.
وينتظر من البرلمان المقبل أن يتعامل مع هذين القطاعين باعتبارهما استثمارًا طويل الأمد في الإنسان، وليس فقط بندين في الميزانية أو موضوعين للمزايدة السياسية.
وتتطلب الرقابة البرلمانية هنا الانتقال من مناقشة الأرقام والاعتمادات إلى طرح أسئلة أكثر ارتباطًا بالنتائج: هل تحسنت جودة الخدمات؟ هل تقلصت الفوارق بين المدن والمناطق القروية؟ هل يحصل المواطن على الخدمة في الوقت والمكان المناسبين؟ وهل تتناسب الموارد المرصودة مع الأهداف المعلنة؟
الشباب وسؤال المستقبل
يشكل الشباب جزءًا أساسيًا من المعادلة التي سيجد البرلمان المقبل نفسه أمامها. فالتشغيل لم يعد مجرد البحث عن وظيفة، بل أصبح مرتبطًا كذلك بجودة التعليم والتكوين، وتطور سوق الشغل، ودعم المبادرة والاستثمار، والقدرة على خلق فرص اقتصادية في مختلف جهات المملكة.
لذلك، سيكون من المهم أن يحظى موضوع الشباب بنقاش يتجاوز الشعارات. فالبرلمان يمكن أن يساهم في تقييم السياسات الموجهة إلى الشباب، ومناقشة العوائق التشريعية أمام الاستثمار والمقاولة، ومتابعة برامج التشغيل والتكوين، مع الانتباه إلى الفوارق بين الجهات وبين مستويات التأهيل.
كما أن الشباب ينتظر تمثيلًا سياسيًا أكثر انفتاحًا على أسئلته الجديدة، وعلى أنماط تواصله، وعلى اهتماماته المرتبطة بالتحول الرقمي والاقتصاد الجديد والمناخ والثقافة والرياضة.
الثقة.. الرهان غير المعلن
وراء مختلف هذه الملفات يوجد رهان أكبر: الثقة.
فالعلاقة بين المواطن والمؤسسات لا تُبنى بالقوانين وحدها، وإنما بالممارسة اليومية. وكلما شعر المواطن أن صوته مسموع، وأن ممثليه يتابعون قضاياه، وأن النقاش السياسي ينتج حلولًا أو يساهم في تصحيح السياسات، ازدادت قابلية المؤسسات لاستعادة الثقة.
ومن هنا، فإن النائب البرلماني المقبل لن يكون مطالبًا بالحضور داخل القبة فقط، وإنما بالتواصل مع المواطنين والاستماع إليهم، وشرح مواقفه، وتقديم حصيلة واضحة لعمله. فالمواطن يريد أن يعرف ماذا فعل ممثله خلال الولاية، وما المبادرات التي شارك فيها، وما الملفات التي تابعها، وما الذي استطاع تحقيقه بالفعل.
وهذا يفتح كذلك النقاش حول أخلاقيات العمل البرلماني، والحضور، والشفافية، وتضارب المصالح، والتواصل مع الناخبين. وهي قضايا لا تتعلق بصورة البرلمان فقط، بل بجودة الحياة الديمقراطية نفسها.
مغرب الجهات.. تمثيل مختلف الانتظارات
لا يعيش جميع المغاربة الواقع نفسه. فما يشغل سكان المدن الكبرى قد لا يكون هو الأولوية نفسها في المناطق القروية أو الجبلية أو الحدودية. وحتى داخل الجهة الواحدة، يمكن أن تختلف الأولويات بين مركز حضري ومجال قروي.
لذلك، ينتظر من البرلمان المقبل أن يعكس هذا التنوع المجالي والاجتماعي، وأن يجعل قضايا العدالة المجالية جزءًا أساسيًا من النقاش التشريعي والرقابي.
فالطرق والنقل والماء والصحة والتعليم وفرص الاستثمار ليست مجرد قضايا محلية، وإنما عناصر أساسية في تحقيق تكافؤ الفرص بين المواطنين والمناطق. ومن ثم، فإن قوة التمثيل البرلماني تقاس أيضًا بقدرته على نقل صوت المجالات التي قد لا تحظى دائمًا بالحضور نفسه في النقاش العمومي.
تشريع يواكب التحولات
إلى جانب الملفات الاجتماعية والاقتصادية، سيجد البرلمان المقبل نفسه أمام تحولات متسارعة تفرض تحديث الإطار القانوني والمؤسساتي. فالرقمنة والذكاء الاصطناعي، وحماية المعطيات، والتحولات في سوق الشغل، والتغير المناخي، وأمن الماء والطاقة، كلها قضايا تتطلب تشريعات تستبق التحولات بدل الاكتفاء بمواكبتها بعد وقوعها.
وهنا تبرز الحاجة إلى تشريع أكثر اعتمادًا على الخبرة والمعطيات والدراسات، وإلى إشراك الفاعلين والخبراء والمجتمع المدني في النقاش حول القوانين ذات الأثر الواسع.
فالبرلمان الحديث لا ينبغي أن يكون مجرد مكان للتصويت على النصوص، وإنما فضاءً لصناعة السياسات العمومية عبر النقاش والحوار والتقييم.
في النهاية.. ماذا يريد المواطن من البرلمان؟
قد تبدو انتظارات المغاربة كثيرة ومتنوعة، لكنها تلتقي في مطلب أساسي: أن يكون البرلمان أكثر قربًا من المواطن وأكثر قدرة على الدفاع عن المصلحة العامة ومساءلة الحكومة وإنتاج تشريعات ذات أثر ملموس.
إن البرلمان المقبل سيبدأ عمله في سياق لا يكفي فيه تقديم الوعود. المواطن أصبح أكثر قدرة على متابعة النقاش العام، ومقارنة الخطاب بالممارسة، وطرح الأسئلة حول الحصيلة والنتائج.
ولهذا، فإن الرهان الحقيقي لن يكون فقط على عدد القوانين التي ستتم المصادقة عليها، بل على نوعيتها، وعلى قوة الرقابة، وعلى مستوى التمثيل، وعلى قدرة المؤسسة التشريعية على جعل القضايا التي تؤرق المواطن جزءًا دائمًا من أولوياتها.
وفي نهاية المطاف، لا ينتظر المغاربة مؤسسة مثالية خالية من الاختلاف والصراع السياسي؛ فالاختلاف جزء طبيعي من الديمقراطية. لكنهم ينتظرون اختلافًا منتجًا، ونقاشًا مسؤولًا، ومؤسسات تُقاس قيمتها بما تقدمه للمجتمع.
فالبرلمان المقبل سيكون، قبل كل شيء، أمام اختبار بسيط في صياغته وعميق في دلالته: هل يستطيع أن يجعل المواطن يشعر بأن صوته لا ينتهي عند صندوق الاقتراع، بل يستمر حضوره داخل المؤسسة التي اختار ممثليها؟
إذا رغبت، أستطيع أيضًا تحويل المقال إلى نسخة أكثر صحفية وجاذبية للنشر في موقع إخباري مغربي، مع مقدمة أقوى وعناوين فرعية أكثر لفتًا للانتباه، أو إلى مقال رأي بصوت كاتب صحفي أكثر حضورًا.


