كورونا : الوباء الخفي الفاضح للوضع المخفي. بقلم سدي علي ماءالعينين

0

بقي أسبوع على نهاية فترة الحجر الصحي القابلة للتمديد حسب تطورات إنتشار الفيروس وتجاوب المواطنين مع القرارات المصاحبة لعملية الحجر،
وفي قراءة أولية عن مجال إنتشار الفيروس، فيمكن القول ان جهة سوس ماسة وجهات الصحراء إستطاعت ان تكون بعيدة عن أرقام تجعل منها بؤرة للوباء، حيث حصرت حالاتها بين حالات محدودة مرتبطة بالنشاط السياحي بمدينة اكادير، وحالات وافدة من مدن خرق أصحابها الحجر الصحي وتوافدوا سرا على الجهات الأربعة،
هذا المعطى يقابله معطى آخر إيجابي ويتمثل في تعافي مجموعة من الحالات وخرجت من المستشفيات بعد أن شفيت تماما،
هذا الوضع الذي يميز هذه الجهات نجد وضعا مخالفا له بجهات تعرف زيادات يومية مما جعلها تحتل الرتب الأولى وتعتبر بؤرا عائلية، فيما جهات أخرى بأرقام متفاوتة.
هذا على مستوى الجهة ،أما على مستوى الأقاليم والمدن والقرى فإن منها من لم يصلها الفيروس مطلقا ولم تسجل بها اية حالة ومنها مدن كبرى،
بناء عليه، فإننا سنفتح نقاشا في هذا المقال حول مصدر قرار تدبير الجائحة، و المجال الذي تشمله القرارات،
فيمكن ان نسجل بعد نهاية فترة الحجر الصحي بأن جهة لم يعد بها أي مصاب ولا اي موضوع تحت المراقبة الطبية ولا اي مشكوك فيه بحكم اختلاطه مع مصاب سابق،
هنا نطرح السؤال:
هل يمكن رفع الحجر عن المنازل وعن التنقل بين المدن في الجهة؟ ام ان الجميع سيبقى خاضعا للحجر الصحي حتى تشفى كل الحالات بباقي الجهات؟
إذا كان الأمر ليس من إختصاص الجهة وعليها إنتظار قرار المركز، فبأي منطق تعاقب جهة بفرض الحجر عليها وقد خرجت ناجحة في حسن إنضباط ساكنتها للقرارات والإجراءات عكس جهات اخرى؟
إن دولا عرفت نفس الوباء وتتمتع جهاتها بإختصاصات واسعة و تملك سلطة القرار الجهوي، فإنها تخرج من الحجر الصحي الوطني وتعود إلى حياتها الطبيعية مع إغلاق حدودها مع باقي الجهات، بل منها من وجهت الدعم اللوجستيكي والمادي للجهات التي لازالت متضررة،
في حالة المغرب ،فإن آليات تدبير الأزمة أبانت عن هشاشة نضامنا الجهوي ،وعن ضعف إختصاصات المنتخبين على مستوى جهاتهم،
فمنذ بداية هذا الوباء تم حصر عمل المنتخبين في تخصيص إعتمادات من ميزانيات جهوية إلى صندوق مركزي، كما أن الجماعات الترابية تم حصر مهامها في عمليات التعقيم، حيث لم تعطى للمنتخبين اية صلاحيات في المشاركة في مواجهة الفيروس، بل إن حتى خرجات التوعية و المراقبة ولجن اليقضة كلها مكونة من سلك السلطة ولا تمثيلية فيها للمنتخبين،
وقد يطرح سؤال ديماغوجي خارج منطق هذا المقال لكنه سؤال مشروع :
ماهو مصير رئيس جهة او مجلس إقليمي او رئيس جماعة او اي منتخب كيف ما كان إذا خرج بعد السادسة مساء لتفقد وضعية المدينة أو الجماعة؟ ألن يتعرض للإعتقال من طرف رجال السلطة و الأمن بتهمة خرق الحجر الصحي، ويمكن ان يحرر له محضر بذلك؟
ثم هل يستطيع رئيس المجلس الإقليمي التنقل بالإقليم بين الجماعات بلا رخصة تنقل؟
وهل يسمح لرئيس الجهة التنقل بين الأقاليم والسفر دون حاجة إلى إشعار او ترخيص؟
قد يكون الجواب هو الإستفسار عن دواعي الخروج اصلا مادامت كل الإجراءات و المبادرات بيد السلطة، فما الداعي للخروج غير البحث عن تهمة إستغلال الأزمة للدعاية الإنتخابية!!!
إن التدبير المركزي لكل عمليات مواجهة فيروس كورونا رغم نجاعته ،و إبعاده عن الحسابات السياسية يبدو أمرا حقق نتائج جعلت بلادنا مفخرة بين الدول،
لكن في الوقت نفسه وضعتنا أمام المرآت ،حيث لامسنا بالملموس ان قرار اللاتمركز الذي كان على مشارف التنزيل قبل الجائحة أصبح ضرورة مستعجلة، وأن تنزيل الجهوية لازال متعثرا ويراوح مكانه.
إن مبادرة رفع الحجر عن الجهات السليمة و السماح لها جزئيا للعودة إلى نشاطها اليومي مع تشديد الإغلاق بينها وبين الجهات المحيطة بها سيكون إجراء سيعتبر-من قلب الأزمة- إختبارا لتدبير جهوي ينسل تدريجيا من مركزية قاتلة، بل إن السماح للمصالح الولائية جنبا إلى جنب مع المؤسسات المنتخبة بإتخاد إجراءات وقرارات تدبيرية وحتى مالية وإقتصادية وحتى إجتماعية جهويا من شأنه ان يكون تمرينا مؤسساتيا للاتمركز،
ناهيك عن مبادرات ممكنة للجهات التي خرجت من الحجر الصحي ان تبادر ماديا ولوجستيكيا خاصة في الصحة والأمن لدعم باقي الجهات لمساعدتها للخروج من الجائحة، وهذا أيضا إختبار لتطبيق آليات التضامن بين الجهات التي أُعلنت قانونا ولم تنزل ميدانيا.
إن الجهوية وإختصاصات المنتخبين، و عمل المؤسسات العمومية الجهوية، والمؤسسات المنتخبة، كلها اليوم في محك إختبار، وبعد الخروج من هذه الأزمة العالمية على المغرب ان يختار بين جعل الجهوية مجرد شعار و نقاش نظري بين الموسعة و المتقدمة، أو ينتقل بلا تردد في تنزيل جهوية حقيقية بآليات مؤسساتية و ترسانة قانونية و موارد مالية عادلة ومتوازنة،
إن فيروس كورونا يعلن بسلطته عن حاجة بلادنا لفتح ورش تشريعي لتطبيق الدستور بعيدا عن تعثرات التحالفات الحكومية وتحفضات الأمانة العامة للحكومة، و إملاءات المؤسسات الخارجية ،
بلادنا تحتاج إلى عدالة مجالية، وسلطة تدبير مجالية، وذلك لن يتحقق مادام المركز و السلطة الإدارية تجعل سياساتنا تخرج من مكاتب الرباط لتعطى لوزراء و برلمانيين و توجه لمنتخبين جهويين وإقليميين ومحليين قصد التنفيذ، حيث يصبح كل المنتخبين من الوزير إلى مرشح الدائرة مجرد موظفين عند هذه المكاتب التي تحكم البلاد.
من حقنا ان ننوه بما أنجز، و نعترف بنجاعة قرارات السلطات، و تضحيات رجالاتها ميدانيا، لكن من حقنا ان نحلم بجهوية أكد عليها ونادى بها ملك البلاد ووضعها في الدستور ودعى إلى تقديم تصورات عملية لتطبيقها واستكمال مشروعها،
وهذا بكل تأكيد سيكون اول ورش من الأوْراش التي فتحت وطال حولها النقاش وتمشي مشية السلحفاة، حان الأوان ان ترى النور بلا تردد.
فهل تعتبرون؟

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.