ذ.عادل بن الحبيب يكتب للوسيط … رهانات انتخابات 2021 .

0

تتصاعد حمى الأجواء الانتخابية بعد أن أنهت وزارة الداخلية المغربية، جميع التكهنات بخصوص الاستحقاقات الانتخابية المقبلة، مُؤكدة أن الانتخابات التشريعية والمحلية ستجرى في عام 2021 المقبل. حسب بيان لوزارة الداخلية، ، فإنه في سنة 2021 سيتم تنظيم جميع الاستحقاقات الانتخابية، ويتعلق الأمر بانتخابات مجلس النواب (الغرفة الأولى للبرلمان). بالإضافة إلى باقي المؤسسات المنتخبة وطنيا ومحليا. ويهم قرار وزارة الداخلية، أيضا، كلا من المجالس الجماعية والمجالس الإقليمية والمجالس الجهوية والغرف المهنية، بالإضافة إلى ممثلي المأجورين، ومجلس المستشارين (الغرفة الثانية للبرلمان).

و على الرغم من أن تاريخ الاقتراع لم يحدد بعد ، إلا أن هناك مرشحون أعلنوا خوضهم للانتخابات، آخرون يستمزجون، قيادات سياسية ومجتمعية منغمسة في تشكيل قوائم انتخابية، احزاب تنظم نفسها لخوض غمار الانتخابات… كلها تحركات سخنت المشهد الانتخابي، وبدأ المجتمع المغربي يتداول في قضايا الانتخابات ، ومن هو المرشح الأفضل، وما شكل المشهد السياسي القادم ودوره، وغيرها من الأسئلة السياسية التي تفرض نفسها على المشهد الوطني.

تتميز هذه الانتخابات عن غيرها بأمرين: الأول، قرار توحيد موعد الاستحقاقات الانتخابية الجماعية والجهوية مع التشريعية انسجاما مع مبادئ العقلنة والحكامة، و من شأن هذا القرار أن يعزز المضمون السياسي للانتخابات كلحظة لاختيار المنتخبين، سواء للاستحقاقات التشريعية أو الجهوية أو المحلية وثانيا، انها تجري في ظل ظرف وبائي استثنائي سيفرض نفسه على شكل وأسلوب عمل الحملات الانتخابية ، الشئ الذي قد يؤدي الى تراجع نسبة المشاركة ، ليس فقط بسبب إمكانية استمرار ظروف حالة الطوارئ الصحية وما تطرحه من محاذير صحية؛ ولكن أيضا لما ستفرضه من إجراءات استثنائية ستكون بلا شك مصدر جدل كبير حول تأثيرها في نتائج الانتخابات للأحزاب وقدرتها على التعبئة. و هنا يطرح السؤال هل ستكثف الاحزاب من حضورها الميداني للتواصل المباشر، ام انها ستطور من حضورهم الرقمي والتواصل عبر الإنترنت وغيره من المواقع الاجتماعية.

ما يبدو واضحا في المشهد السياسي المغربي اليوم أن ثمة صورة رمادية عن انتخابات 2021، كما ان استعدادات الأحزاب، بمختلف مراتبها، لا تقنع بأن لها القدرة الكافية لاسترجاع ثقة الجسم الانتخابي، وتحفيز القاعدة الواسعة من الناخبين على التصالح مع السياسة، والعودة إلى التعاطي مع الشأن الانتخابي بحماسة ودون تردد.
ثم إن الظرفية العامة الناجمة عن جائحة كورونا والآثار المترتبة عنها على الاقتصاد والأوضاع الاجتماعية لعموم المواطنين، قد تعقد فرص الاندماج من جديد في كسب رهانات الانتخابات المقبلة. فالأوضاع الداخلية لأغلب لأحزاب لا تبعث على الارتياح، سواء نوعية أدائها، اوطبيعة علاقتها بالمواطنين، كما أن تماسكها الداخلي ليس بالقوة الذي يمكنها من استرجاع ثقة الناخبين.

يمكن التأكيد، بدون تردد، على أن منسوب شعبية جل الأحزاب السياسية في تراجع، لانها لم تفعل ما من شأنه ان يطور قاعدتها الشعبية، ولم تنوع قوائم المنخرطين في صفوفها، بل ما حدث لبعضها هو تراجع قوتها الكمية والنوعية معا، بسبب ترهل أدائها، وتفاقم الخلافات الداخلية، التي وصلت حدّ الانسحاب الجماعية أو الانشقاق، وانغلاقها على نفسها، وعجزها عن فتح الأبواب أمام مناضليها للترقي في سلم المسؤوليات ومراكز صنع القرار الحزبي.

رغم هذا فإجراء و إنجاح الانتخابات من الأهمية بمكان سواء للدولة والمجتمع، ورسالة سياسية مهمة من المملكة المغربية توضح قيمها وإيمانها بالإصلاح والتطور ومأسسة آليات الرقابة والتشريع بالمجتمع. غير صحيح على الاطلاق ان المجالس المنتخبة عديمة الجدوى وعبء على المجتمع، ولا يجوز التعميم والنيل من أحد أهم أركان نظامنا السياسي. يجب علينا انتخاب الأصلح لهذا العمل و بعد ذلك محاسبته و مراقبته في إطار ربط المسؤولية بالمحاسبة .
إن البرلمان مؤسسة مهمة جدا حيث يعتبر من بين أهم المؤسسات الدستورية في مختلف البلدان الديمقراطية وكذلك في البلدان السائرة في طريق الديمقراطية، حيث يشكل السلطة التشريعية التي تتولى تمثيل الأمة، حيث يتم انتخابها من قبل الشعب (الناخبون والناخبات)، وتقوم بممارسة العديد من الوظائف والأدوار في مجالات التشريع والرقابة على العمل الحكومي وتقييم السياسات العمومية. فالبرلمان هو المشرع الذي يتولى وضع القوانين ، كما يتولى الرقابة على العمل الحكومي. ويطلق عليه تعبير السلطة التشريعية. ويعد ، انتخابه بطريقة شفافة ونزيهة، أحد الشروط الأساسية لوجود الديمقراطية و لإرساء دعائم دولة القانون. فالبرلمان هو الممثل الأسمى للأمم، وهو المعبر عن إرادتها. وهو المكلف بوضع السياسات العمومية والموافقة عليها، والتي تهم سائر المجالات السياسية و الاقتصادية و الضريبية و الاجتماعية و الثقافية والبيئية وكذلك الشؤون الدولية… كما أنه هو المختص بمراقبة عمل الحكومة، ومراعاة مدى احترامها للبرنامج الحكومي الذي تقدمت به أمامه، ومدى قيامها بتنفيذ وتفعيل السياسات العمومية الواردة في صيغة قوانين، والتي من شأنها الاستجابة لتطلعات الشعب و تحسين أوضاعه المادية و المعنوية.
و من هذا المنطلق، يجب علينا انتخاب الاصلح من قبل جمهور الناخبين، ،انتخاب من يمتلك القدرة على القيام بالعمل الرقابي والتشريعي ويمتلك مقومات الاستقامة والنزاهة.
الكرة في ملعب الناخبين أفرادا ومؤسسات مجتمع مدني، في التمحيص في ملفات المرشحين وسؤالهم عن برامجهم واهدافهم من خوض الانتخابات، ومساءلتهم عن سجل نزاهتهم .
المواطن المغربي تغير، اصبح يدرك أهمية دوره والتزامه تجاه العملية الانتخابية، اصبح يعرف أن من واجبه معرفة كيف يختار المترشح صاحب البرنامج الانتخابي الأجدى له، ويحدد أولوياته وفقا لطموحاته ورؤيته الخاصة، يمكن القول ان في المغرب اصبح الوعي السياسي والاجتماعي يتشكل تدريجيا داخل المجتمع. . فالمواطن هو الأهم في العملية الانتخابية وليست الأحزاب والمرشحين، وهو مصدر السلطة التي يفوضها لهم، وله أيضا محاسبتهم أو تغييرهم، بناء على ما قدموه خلال مدة انتدابهم من خلال التصويت.

المشاركة في الانتخابات تعد واجبا وطنيا وإستحقاقا دستوريا، يتطلب مشاركة الجميع، تأكيدا على الإلتزام بالنهج الديمقراطي والحرص على اتاحة المجال للمشاركة الشعبية في صنع القرار. ولكي يتجذر فعل التصويت في المجتمع المغربي، كما هو محدد في الدستور كواجب وطني وحق شخصي، لا مناص من بناء ثقافة سياسية تكرس القيم الإيجابية للعمل السياسي، و على الأحزاب السياسية تقديم مرشحين تتوفر فيهم شروط الكفاءة والنزاهة، وروح المسؤولية والحرص على خدمة المواطن.
الرهانات الحقيقية التي ينبغي أن تحكم أجندة الفاعلين السياسيين الآن تتمثل أساسا في تجديد النخب وتكييف البرامج مع الأولويات والتحولات وتعزيز المعاني الايجابية للعمل السياسي وتحفيز الشباب على المشاركة بصيغ منصفة وتجنب المعارك التي لا نتائج لها وإنتاج مواقف يمكن تذكرها وتصحيح العلاقة بين المواطن والعمل الحزبي.
يجب ان تكون البرامج الانتخابية للفرقاء السياسيين في هاته المرحلة منسجمة مع الواقع ومبنية على معادلة أساسها المواطن وما يحول بينه وبين تحقيق طموحاته على مستوى التعليم والصحة والشغل والسكن والحماية الاجتماعية، وبناء بدائل لا تنطلق من العموميات بل من القدرة على التوقع وبناء الأسس المنطقية بين الأقوال والأفعال.
إن رهان إنجاح الانتخابات المقبلة يظل مرتبطا، أساسا، بالقدرة على تعبئة المواطنين من أجل جعلهم يؤمنون بالعملية الانتخابية والمساهمة في اتخاذ القرار، وهو الأمر الذي يستدعي بذل مجهود مضاعف والاجتهاد للبحث عن السبل الكفيلة لاسترجاع ثقة المواطن في العملية السياسية، من خلال تبني ممارسة تتسم بالوضوح والتعاطي المسؤول مع القضايا الأساسية.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.