أقلام الوسيط

التأصيل الدستوري للحكامة الترابية والعدالة المجالية في الخطاب الملكي لإفتتاح الدورة التشريعية الثانية عشر

بقلم : جمال الدين بركشي باحث في القانون العام والعلوم السياسية 

لا يستقيم تحليل الخطاب الملكي الموجه إلى أعضاء البرلمان بمناسبة افتتاح الدورة التشريعية من خلال الوقوف عند حدوده التواصلية أو استقراء مضامينه التوجيهية في صورتها المباشرة، وإنما يقتضي استحضار موقعه ضمن البنية الدستورية والمؤسساتية للمملكة، وقراءته في ضوء التحولات التي تطال وظائف الدولة، وطبيعة العلاقة بين السلط، ومقتضيات الحكامة العمومية، وإشكالية الانتقال من إقرار الإصلاحات إلى ضمان نفاذها الفعلي في الواقع المؤسساتي والترابي.
فالخطاب الملكي، بالنظر إلى موقع المؤسسة الملكية في النظام الدستوري المغربي، يشكل مناسبة لاستجلاء الاختيارات الاستراتيجية الكبرى للدولة، وتحديد الأولويات التي ينبغي أن تسترشد بها المؤسسات والهيئات المعنية عند ممارسة اختصاصاتها الدستورية والقانونية. غير أن القيمة التحليلية لهذه التوجيهات لا تستنفد في مضمونها السياسي، بل تتجاوز ذلك إلى ما تثيره من أسئلة قانونية ومؤسساتية تتصل بحدود الاختصاص، وشروط التنفيذ، وتوزيع المسؤوليات، وضمان الانسجام بين مختلف مستويات القرار العمومي.
وتتأكد أهمية هذه القراءة بالنظر إلى تعدد المستويات التي ينتظمها الخطاب؛ فهو يجمع بين تعزيز المقومات الاستراتيجية للدولة، وتطوير القدرات الاقتصادية الوطنية، وتحقيق العدالة الاجتماعية والمجالية، وإدماج الشباب، وإعادة تنظيم العلاقة بين الإدارة المركزية والمصالح اللاممركزة والمؤسسات الترابية المنتخبة، فضلاً عن إعادة النظر في أسس التعاون الدولي في مجال الهجرة.
ويكشف هذا التعدد عن ترابط بنيوي بين الخيارات الاقتصادية والاجتماعية والإصلاحات المؤسساتية؛ ذلك أن نجاعة السياسة العمومية لا تتحدد حصراً بسلامة أهدافها، وإنما تتوقف كذلك على مدى ملاءمة إطارها القانوني، ووضوح الجهة المسؤولة عن تنفيذها، وتوافر الاعتمادات والموارد الضرورية، وخضوعها لآليات التتبع والتقييم والمساءلة.

أولاً: الدولة الاستراتيجية وحدود المقاربة الاقتصادية المجردة
يؤسس الخطاب لتصور تنموي يتجاوز التدبير القطاعي إلى استحضار الترابط بين الأمن المائي والطاقي والغذائي، والتصنيع، والاقتصاد الرقمي، والذكاء الاصطناعي، وتأمين الاحتياطات الاستراتيجية. ويعكس ذلك اتجاهاً نحو تعزيز قدرة الدولة على استباق المخاطر وتدبير التحولات الجيو-اقتصادية، بما يجعل السيادة الاقتصادية امتداداً وظيفياً للسيادة الوطنية.
غير أن هذا التوجه يقتضي، من منظور التدبير العمومي، التمييز بين تعبئة الاستثمار وتحقيق التنمية؛ فارتفاع حجم الاستثمارات لا يستلزم بالضرورة تحسن توزيع الثروة أو تقليص البطالة أو تضييق الفوارق المجالية. ولذلك، فإن مشروعية الاختيارات الاقتصادية من منظور المصلحة العامة تظل مرتبطة بقدرتها على إحداث أثر اجتماعي قابل للقياس، لا بمجرد مردوديتها المالية أو الإنتاجية.
وفي هذا السياق، تكتسب العدالة الاجتماعية والمجالية صفة المعيار الموجِّه لتقييم السياسات العمومية، انسجاماً مع الفصل 31 من دستور المملكة، الذي يقر التزام الدولة والمؤسسات العمومية والجماعات الترابية بالعمل على تعبئة الوسائل المتاحة لتيسير استفادة المواطنات والمواطنين من الحقوق والخدمات الأساسية. وبذلك، لا تُختزل وظيفة الدولة في تحفيز النمو، بل تمتد إلى تهيئة شروط الانتفاع المنصف بثماره.
ومن ثم، فإن الرهان الدستوري والتدبيري لا يتمثل في المفاضلة بين النجاعة الاقتصادية والعدالة الاجتماعية، وإنما في إرساء التكامل بينهما، من خلال توجيه الاستثمار نحو خلق القيمة المضافة وفرص الشغل، وربط الإنفاق العمومي بأهداف محددة، وإخضاع البرامج لمقتضيات التتبع والتقييم والمساءلة.

ثانياً: الجهوية المتقدمة واللاتمركز الإداري وإشكالية الفعالية المؤسساتية
يشكل المحور الترابي في الخطاب مدخلاً أساسياً لفهم التحديات التي تواجه استكمال بناء الدولة الحديثة؛ إذ إن التأخر في نقل الاختصاصات والموارد، واستمرار التداخل بين مستويات القرار، لا ينعكسان على انتظام العمل الإداري فحسب، بل يمتدان أثرهما إلى قدرة السياسات العمومية على تحقيق التنمية المندمجة.
لقد أرسى دستور 2011، ولا سيما الفصول 135 إلى 146، إطاراً دستورياً للتنظيم الترابي يقوم على التدبير الحر والتعاون والتضامن والتفريع، مع إسناد اختصاصات ذاتية ومشتركة ومنقولة إلى الجماعات الترابية. كما أكد الفصل 141 اقتران كل اختصاص تنقله الدولة إلى الجماعات الترابية بتحويل الموارد المطابقة له. ومؤدى ذلك أن الاختصاص الترابي ليس مجرد إسناد قانوني للمسؤولية، وإنما ولاية وظيفية تستوجب توفير الوسائل المالية والبشرية والتنظيمية اللازمة لممارستها.
وعليه، فإن الإشكال الجوهري لا يكمن في الاعتراف المعياري بالاختصاصات وحده، بل في مدى تمكين المؤسسات الترابية من ممارستها ممارسة فعلية. فإسناد اختصاص دون توفير موارده قد يفضي إلى اختلال بين المسؤولية والقدرة، بينما يؤدي غموض توزيع الاختصاصات إلى تنازع التدخلات وتشتت المسؤولية وإضعاف قابلية القرار العمومي للتنفيذ.
ولهذا ينبغي التمييز بين اللامركزية باعتبارها توزيعاً للاختصاصات بين الدولة وأشخاص اعتبارية عامة ترابية تتمتع بالشخصية المعنوية والاستقلال الإداري والمالي في حدود القانون، واللاتمركز الإداري باعتباره تنظيماً داخلياً لاختصاصات أجهزة الدولة، يروم تقريب القرار الإداري من المرتفقين دون المساس بوحدة الدولة واستمرارية المرفق العام. ويقتضي التكامل بين النظامين تمكين المجالس المنتخبة من ممارسة اختصاصاتها، بالتوازي مع تخويل المصالح اللاممركزة الصلاحيات اللازمة للتنفيذ الفعلي للسياسات العمومية.
وتبعاً لذلك، فإن تفعيل ميثاق اللاتمركز الإداري، المؤطر بالمرسوم رقم 2.17.618، لا ينبغي أن يُختزل في إعادة توزيع المهام أو إحداث البنيات الإدارية، بل يتعين أن يقوم على تحديد دقيق للصلاحيات المفوضة، وربطها بالموارد والوسائل، وضبط المسؤوليات وآجال الإنجاز، وتطوير آليات التنسيق بين المصالح اللاممركزة ومؤسسات الجهة.
كما أن الدعوة إلى تنظيم العلاقة بين الدولة والجهات على أساس التنسيق والتعاقد تقتضي تجاوز التدخلات المتفرقة نحو التزامات مؤسساتية واضحة، تحدد الأهداف والتمويل والآجال ومؤشرات التقييم. فالتعاقد الترابي، متى استوفى شروط الوضوح والتمويل والتتبع، يمكن أن يتحول إلى آلية لضمان الانسجام بين السياسات القطاعية وأولويات التنمية الجهوية، لا إلى مجرد إجراء شكلي لتوزيع الالتزامات.

ثالثاً: المسؤولية السياسية وضرورة الانتقال من الالتزام المعلن إلى الأثر العمومي
إن تأكيد الخطاب على مسؤولية البرلمانيين يعيد الاعتبار للوظيفة التمثيلية باعتبارها التزاماً دستورياً وسياسياً وأخلاقياً، يتجاوز الحصول على التفويض الانتخابي إلى ممارسة اختصاصات التشريع ومراقبة العمل الحكومي وتقييم السياسات العمومية. فالمسؤولية التمثيلية لا تستنفد مضمونها في التعبير عن الإرادة الانتخابية، بل تقتضي تتبع تنفيذ التعهدات، وفحص نجاعة الإنفاق العمومي، والكشف عن الاختلالات التي تحول دون تحقيق الأهداف المعلنة.
ومن هذا المنظور، فإن الحكامة لا تُختزل في تعدد المؤسسات أو وفرة النصوص القانونية، وإنما تتجسد في وضوح الاختصاصات، وانتظام التنسيق، وشفافية القرار، وربط المسؤولية بالمحاسبة وفق الفصل الأول من الدستور. كما أن تقييم السياسات العمومية ينبغي أن ينتقل من قياس الوسائل والأنشطة إلى قياس النتائج والآثار، مع التمييز بين اعتماد البرنامج، والشروع في تنفيذه، وتحقيق أهدافه الفعلية
وتزداد أهمية هذا المقتضى في مجال التنمية الترابية، حيث لا يمكن الحكم على فعالية الجهوية المتقدمة بمقدار الاختصاصات المقررة قانوناً فحسب، بل بمدى انعكاسها على جودة المرافق العمومية، والولوج المنصف إلى الخدمات، وتقليص الفوارق بين المجالات. كما لا يمكن تقييم السياسات الموجهة للشباب بمجرد عدد البرامج المعلنة، وإنما بمدى إسهامها في التأهيل والإدماج الاقتصادي وتكافؤ الفرص.

صفوة القول يُبرز ان الرهان المركزي للمرحلة المقبلة يتمثل في استكمال الانتقال من الدولة ذات الاختصاصات الموزعة نظرياً إلى الدولة القادرة على ممارسة اختصاصاتها بفعالية، ومن الإصلاح المعياري إلى التنفيذ المنتج للأثر التنموي. ويتوقف ذلك على التلازم بين الاختصاص والموارد، والتكامل بين اللامركزية واللاتمركز، والانسجام بين السياسات القطاعية والأولويات الترابية، وإخضاع التدبير العمومي لمنطق التقييم والمساءلة.
وبناءً عليه، فإن معيار نجاح الإصلاح لا يكمن في كثافة النصوص أو اتساع البرامج المعلنة، بل في مدى تحولها إلى نتائج ملموسة تحترم مبدأ المشروعية، وتحقق المصلحة العامة، وتضمن الإنصاف في توزيع الموارد والخدمات. فالدولة الفعالة ليست التي تُحسن صياغة اختياراتها الاستراتيجية فحسب، بل التي تمتلك القدرة القانونية والمؤسساتية والمالية على إنفاذها، وتقييم آثارها، وتصحيح اختلالاتها، بما يجعل التنمية الترابية تجسيداً عملياً للالتزامات الدستورية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى