أقلام الوسيط

حين يضع أخنّوش الخاتم ويُغادر المنصّة🎁

بقلم.الدكتور: سعيد اهمان

في السياسة، لا يعتزل الزعماء فجأة، بل ينسحبون كما تنسحب الموجة بعد أن تُحدِث أثرها: تترك الرغوة شاهدة، وتترك للبحر حكاية. وحين يُقال إن عزيز أخنوش، رئيس حزب التجمع الوطني للأحرار، قرر وضع نقطة نهاية لرئاسته الحزبية، وعدم الترشح للانتخابات المقبلة للعام الجاري 2026، فإن الخبر لا يُقرأ بوصفه خبرا فقط، بل يُتأمل كعلامة زمنية، كفصل أخير في رواية كتبت فصولها على إيقاع السّلطة والاقتصاد والبراغماتية الصّارمة.

أخنوش لم يكن “سياسيا” عابرا. دخل السياسة من بابها الواسع، محمّلا بثقل المال ورمزية “رجل الأعمال الذي يفهم لغة الأرقام”. قاد الحزب كما تُدار المقاولة: أهداف واضحة، فرق منضبطة، ورسائل قصيرة محررة لا تحب الإطالة. أحبته القواعد حينا، وانتقدته حينا آخر، لكن أحدا لا ينكر أنه أعاد ترتيب البيت التجمعي، وحوّله من حزب يبحث عن هوية إلى ماكينة انتخابية تعرف ما تريد حتى أن من خصومه من اتّهمه بـ”الافتراسين الحزبي والسّياسي وحتى الإعلامي”.

الاعتزال، إن كان إراديا من قبل عزيز، هنا ليس هروبا، ولا انكسارا. هو، في القراءة الهادئة، فعلُ حساب بارد: السياسة استهلكت ما يكفي من الرصيد، والمرحلة المقبلة لا تُغري بالمزيد من الاشتباك. فزمن الانتخابات القادمة لعام 2026 في المغرب يبدو أقل رحمة له، وأكثر كلفة له، في سياق اجتماعي واقتصادي شديد الحساسية، حيث لم تعد الشعارات تكفي، ولا البلاغة تُنقذ.

حين ينسحب أخنوش من الواجهة الحزبية إراديا لا مكرها، فإنه يترك فراغا محسوبا على تنظيمه التجمّعي. بكى من بكى عليه حينه حينما صدم بالقرار رغم توسلاتهم إليه للتراجع عنه، وهو يدرك كما هم أن ما حصل يتجاوزهم جميعا، فراغٌ سيختبر قدرة الحزب على العيش دون “الاسم الكبير” كما يصفه مناصروه، وسيختبر نضج نخبه التي اعتادت الظّلّ الوارف للرّئيس. فهل سيتحول “الاعتزال السياسي” إلى لحظة انتقال سلس، أم إلى بداية ارتباك داخلي؟ ذلك هو الامتحان الحقيقي.

أما على مستوى المشهد السّياسي العام، فإن هذه الخطوة تُقرأ كإشارة على تحوّل أعمق: السّياسة في المغرب لم تعد مجالا للاستقرار الطّويل، ولا للرئاسات الممتدّة بلا ثمن. الاعتزال بات لغة جديدة، وربّما فضيلة نادرة، في بلد اعتاد أن يرى الوجوه ذاتها تعود كلّ موسم ببدلة أو بدلات مختلفة بلا حشمة ولا حياء.

يضع أخنوش الخاتم ويغادر المنصة، تاركا وراءه حزبا مُجهزا إداريا، ومشهدا مفتوحا على احتمالات شتّى. سيقول أنصاره إنه أدّى ما عليه، وسيقول خصومه إن المرحلة تجاوزته وعليه تقديم الحساب ومحاسبته فيما قدّم وأخّر. وبين القولين، تبقى الحقيقة أكثر بساطة: السّياسة لا تحبّ الّثبات، ومن يعرف متى يغادر، يكتب آخر سطر بيده.

إنّها ليست نهاية رجل، بقدر ما هي نهاية أسلوب، وبداية سؤال كبير: من يملأ الفراغ، بأيّ لغة، وبأيّ كلفة؟ فماذا ينتظر عزيز أخنوش بعد الرّحيل، خاصة وأن قسمات وجهه خلال حضور فعاليات “إض يناير” 2976 بمدينة أكادير، ليلة الثلاثاء/ الأربعاء 14 يناير الجاري، تشفق على حاله ومآله.
هنا فقط، يبدأ الفصل الجديد فانتظروا…إنّا معكم من المنتظرين.

س.أ

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى