
محمد التفراوتي
صدر للأستاذ الدكتور عبد الرحيم خالص مؤلف جديد وازن، شكّل حدثا فكريا لافتا، لما أثاره من أسئلة كبرى تتصل بالقضية الوطنية، وما اقترحه من قراءة تعيد ترتيب العلاقة بين التاريخ والقانون والسياسة. وهو إصدار مهم يستوجب سبر أغواره، والوقوف عند أطروحاته المركزية، واستجلاء ما يحمله من رؤى وتصورات تتجاوز حدود التوثيق إلى مجال التحليل والاستشراف.
وبهذا المعنى، نستضيف في هذا الحوار الأستاذ الدكتور عبد الرحيم خالص، أستاذ التعليم العالي بكلية الحقوق بأيت ملول، ورئيس المرصد المغربي للأجيال المقبلة، وأحد الأصوات الأكاديمية التي جمعت بين التميز العلمي والانخراط المسؤول في قضايا الوطن والمجتمع، من أجل الاقتراب من خلفيات هذا العمل الجديد، وفتح نقاش معرفي حول رهاناته الفكرية والوطنية.
نرافقه في هذا اللقاء داخل صفحات مؤلفه الجديد “عيد الوحدة: من الفعل المؤسس إلى الفعل الممأسس”؛ وهو كتاب يقدم قراءة عميقة لمسار التحول من الشرعية التاريخية التي جسدتها المسيرة الخضراء، إلى أفق المشروعية الدستورية والمؤسساتية التي تجسدها مبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية. فضلا عن استعادة نصف قرن من تاريخ القضية الوطنية المغربية (1975-2025)، بل
إنه كتاب يزاوج بين الذاكرة الوطنية والصرامة القانونية، وبين الوفاء للماضي واستشراف المستقبل، ويقترح فهما جديدا لكيفية انتقال اللحظات المؤسسة في تاريخ الأمم إلى مشاريع سياسية مستدامة.
في هذا الحوار، سنقف مع ضيفنا عند عدد من المحاور الجوهرية، من بينها خلفيات التأليف وسياق صدور الكتاب، والأطروحة المركزية التي يؤسس لها، والدلالات الإنسانية والرمزية التي يتضمنها، فضلا عن الاقتراب من المسار الفكري والإنساني للمؤلف، بما يحمله من ارتباط أصيل بالجذور ووفاء لقضايا الوطن والمجتمع.
الدكتور عبد الرحيم خالص، نرحب بكم، ونبدأ من حيث بدأت الفكرة: كيف ولد هذا الكتاب؟

عبد الرحيم خالص: معركة الصحراء اليوم هي معركة قانون ومؤسسات
السؤال الأول: ما الذي دفعكم إلى إصدار هذا الكتاب في هذا التوقيت تحديدا؟
الجواب:
إن الدواعي الأساسية لتأليف عيد الوحدة تكمن في الرغبة في الارتقاء بالنقاش حول قضيتنا الوطنية الأولى من مستوى الدفاع السياسي الصرف إلى مستوى التحليل الدستوري والقانوني المؤسساتي. لقد شعرت بضرورة أكاديمية وعملية لدراسة السبل الكفيلة بتنزيل مقترح الحكم الذاتي على أرض الواقع، وتحويله من مبادرة سياسية إلى نظام قانوني متكامل ينسجم مع البناء الدستوري المغربي، بما يعزز مصداقية المقترح وطنيا ودوليا. كما أن تزامن هذا العمل مع مرور خمسين سنة على المسيرة الخضراء (1975-2025) جعل من الضروري تقديم قراءة تراكمية لمسار الدولة المغربية، تنتقل من الشرعية التاريخية إلى المشروعية الواقعية.
السؤال الثاني: ما هي الإضافة التي يقدمها كتابكم على مستوى تنزيل مبادرة الحكم الذاتي؟
الجواب:
يفتح الكتاب آفاقا عملية عبر تقديم نموذج مشروع قانون تنظيمي يؤطر هياكل نظام الحكم الذاتي لجهة الصحراء المغربية. الكتاب يقترح مسارات لتطوير الإطار الدستوري الحالي (دستور 2011) ليصبح أكثر استيعابا لمتطلبات الحكم الذاتي الموسع، من خلال مبادئ التفريع والتدبير الحر. الآفاق هنا تتجلى في تحويل المبادرة من مقترح سياسي إلى نظام قانوني مستقر، يضمن استقرار المنطقة وصيانة كرامة الإنسان الصحراوي في إطار السيادة المغربية الموحدة.
السؤال الثالث: ما الأطروحة المركزية التي يؤسس لها هذا الكتاب؟
الجواب:
تتمحور أطروحة الكتاب حول مفهوم السيادة غير القابلة للتجزئة وضرورة الانتقال من الفعل المؤسس (المسيرة الخضراء) إلى الفعل المماسس (الحكم الذاتي). وتعتمد نجاح هذه الأطروحة على قدرة البناء الدستوري المغربي على استيعاب وتأطير نظام الحكم الذاتي في إطار نص قانوني يحقق التوازن بين السيادة الوطنية الكاملة والاستقلالية المحلية الواسعة. إن مصداقيتها الأممية مستمدة من انسجامها مع قرارات مجلس الأمن، وآخرها القرار رقم 2797، الذي أكد واقعية المبادرة كحل نهائي.
السؤال الرابع: كيف تقرؤون مستقبل قضية الصحراء المغربية من خلال هذا التصور؟
الجواب:
أرى مستقبل القضية في الانتقال إلى مرحلة الحسم المؤسساتي؛ حيث لم تعد الصحراء موضوع نزاع، بل مجالا لتطوير نموذج مغربي متقدم في الجهوية والحكم الذاتي. المستقبل يكمن في دسترة هذا النظام وجعله آلية لتدبير التعدد داخل الوحدة، مما يحول المنطقة إلى قطب ديمقراطي وتنموي مندمج في إطار المغرب الكبير. إنها ثورة هادئة تنتقل بالدولة من المركزية التقليدية إلى مركزية منفتحة تقوم على مبدأ وحدة التنوع.
السؤال الخامس: خصصتم في كتابكم إهداءً للجندي المغربي، ما دلالته؟
الجواب:
الهدف من الرسالة إلى الجندي المغوار / 2797 هو التعبير عن الامتنان والعرفان لمرابطي الحدود الذين يدافعون عن السيادة والكرامة. دلالاتها عميقة؛ فهي تربط بين التضحية الميدانية والشرعية الدولية التي كرسها القرار 2797. كما أن توظيف اسم المصطفى وأرقام القرار في بنية القصيدة المهداة يعكس تلاحم العرش والشعب والجندي في سبيل بناء الوحدة، ويؤكد أن مغربية الصحراء هي قضية وجود وكرامة إنسانية قبل أن تكون نصوصا قانونية.
السؤال السادس: ماذا يمثل لكم تقديم الكتاب من طرف عميد كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بآيت ملول
الجواب:
إن تقديم السيد العميد الدكتور رحيم الطور لهذا المؤلف هو وسام فخر أعتز به كثيرا، وهو يعكس نبل أخلاقه وسعة أفقه العلمي والانساني. لقد عكس هذا التقديم عمق الروابط التي تجمعنا داخل المؤسسة الجامعية، حيث لا يكتفي السيد العميد بالتدبير الإداري، بل يشجع كل المبادرات العلمية الرصينة. لذا أعتبره اعترافا بقيمة العمل وبتوجهه العلمي الذي يخدم قضايا الوطن.
السؤال السابع: كيف تقرؤون البعد التربوي والإنساني في مساركم الفكري؟
الجواب:
هذا السؤال يلمس شغاف القلب. كل ما أكتبه اليوم مدين لتلك البدايات الأولى في واويزغت، بين جبال الأطلس المتوسط. فقد تعلمت من والدي الفقيه ناصر خالص رحمه الله قدسية الكلمة واحترام المعرفة. هذا الأصل الفقيهي جعلني أؤمن بأن العلم رسالة وليس مهنة، وأن خدمة الوطن امتداد لهذا الإرث الأخلاقي.
السؤال الثامن: ما الرسالة الأساسية التي تودون إيصالها من خلال هذا الكتاب؟
الجواب:
التنويه الأساسي في هذا العمل هو أنه يقدم صياغة قانونية ملموسة تتجاوز منطق الشعارات؛ فالكتاب يتضمن مشروع قانون تنظيمي متكامل يؤطر نظام الحكم الذاتي.
وأؤكد على ضرورة الانتقال من الترافع السياسي إلى الترافع القانوني والمؤسساتي، لأن لغة القانون هي اللغة التي يفهمها العالم اليوم. كما أدعو إلى إدماج هذا الفكر في التكوين الجامعي والدبلوماسي لتعزيز قوة الموقف المغربي.
يظهر هذا الحوار أن كتاب “عيد الوحدة” يعد مشروعا فكريا يسعى إلى تحويل قضية الصحراء المغربية من مجال سياسي إلى مجال مؤسساتي وقانوني، عبر تصور متكامل للحكم الذاتي داخل السيادة الوطنية.
كما يعكس شخصية أكاديمية تجعل من البحث العلمي أداة للترافع عن قضايا الدولة، ومن الجامعة فضاء لإنتاج الفكر المرتبط بالواقع والتحولات الدولية.



