مدرسة الفرصة الثانية : إنصاف اجتماعي لجيل جديد

0

بقلم ذة : زينون مريم

ثمة خطأ شائع لدى كثير ممن ينتقدون المدرسة المغربية أو من باب المقارنة بين معلم الأمس ومعلم اليوم ،أن هذه المدرسة فشلت في إقامة كيان مجتمعي محتضن لها بل أنها مصدر فشل تماسك المجتمع ونجاحه في السيطرة على إدماج شبابه وكبح جماح انحرافه،لامجال لمقارنة مدرسة الأمس باليوم في عقم فرضية القطيعة بين الأصالة والحداثة،مجتمعين متضادين لا يمكن أن يستقيم نظام المدرسة العمومية دون تداخل بين ماهيتها،كل مجتمع مدرسي يستنبت لنفسه جذورا داخل سياق الروابط الثقافية والرمزية لتاريخه ومعنى ذلك ان النموذج الذي يتأسس عليه نظام التعليم يكون شكلا من أشكال الانتساب إلى تاريخ وهوية المجتمع وليس ضده،أي أن المدرسة العمومية تقدم كسلطة رمزية في الوعي المجتمعي بمعظم مكوناته،غير أن الذي لا يجوز الإجحاف فيه هو محاصرتها بحكم الإخفاق في مواكبتها لسيرورة التغيير والانتفاضة ضدها ،تحت ضغط الوعي الجمعي،في حين تم إغفال اهتزاز مصادر شرعيتها الوطنية داخل مجتمع أصبح ممزق التكوين بسبب الغزو التكنولوجي، والذي يعد سببا في التهجين الثقافي و آلة قابلة لترويض عقلية  الشباب ونقلهم من مجتمع الموروث الرمزي إلى مجتمع الحداثة المادية وتبني الحس المقارن بين دولتنا و دولة المجتمعات المتقدمة ،وفي سياق هذه المقارنة غير العادلة بين المجتمعات تضيع شرعية المدرسة العمومية بسبب الحكم عليها في الإخفاق في إثبات انتمائها الأصيل،حكم جائر يحملها وزر عقم الحداثة في المجتمعات العربية. لكن ذلك لا يعني أنها تقاوم الهوية الوطنية بل لأنها تعتبر قاعدة لمشروع مجتمعي مشترك ذو مضمون وطني ،فمن البديهي جدا أن ينشأ التفكير حولها من زوايا مختلفة و في أوضاع الخلل الذي يسودها ما دام التعليم يمثل شرعية وطنية عامة وعلى أساس أن إعادة بناء علاقة المدرسة العمومية بقضايا التغيير المجتمعي الحداثي هي مدخل للتنمية الاجتماعية لذلك يلاحظ على أن منهجية الإصلاح لم تقتصرعلى منظومة التربية والتكوين فحسب، بل تجاوزتها إلى الإصلاح الخارجي كخيار ديمقراطي لتحقيق الإنصاف وتكافؤ الفرص بإحداث نموذج نوعي لمدرسة عادلة  تسمى ” مدرسة الفرصة الثانية للجيل الجديد” لتشمل فئات مختلفة من أبناء المجتمع المتواجدين خارج أسوار المدرسة العمومية النظامية بعد ضياع فرصتهم الأولى لأسباب قهرية حرمتهم فرصة التعليم ،قد تكون ذاتية أو اجتماعية ،فيما يعتبر هذا النمط الثاني فرصة ثانية للتصالح مع الذات والمجتمع إذ يستجيب لحاجياتهم في بناء مشروعهم الشخصي من خلال التأهيل التربوي والاستئناس المهني والحرفي مما يخول لهم فرصة الاختيار في التوجيه نحو استكمال مسارهم الدراسي بالعودة إلى الاندماج في التعليم النظامي أو التدرج المهني أو الاندماج في سوق الشغل أو اختيار بناء مقاولة ذاتية بعد مواكبتهم داخل الحياة السوسيومهنية بعد تقديم الدعم النفسي والاجتماعي لهم  من خلال مرافقتهم في حياتهم العامة بعد تخرجهم.                                                  لا نضيف جديدا حين نقول أن هذا النمط الجديد والنوعي من المدارس العمومية المجانية ذات الطابع غير النظامي يندرج ضمن الأوراش الملكية المفتوحة لإصلاح التعليم والنهوض بأوضاع الشباب المغربي المتراوحة أعمارهم ما بين 13 و18 سنة الأطفال والقاصرين المعرضين للانحراف والتهميش ،لإعادة إنصافهم ومساعدتهم على تحقيق نقلة نوعية في حياتهم،بل وتعد هذه المدارس من البرامج الملتزم بها أمام أنظار صاحب الجلالة بتاريخ 17 شتنبر 2018 من طرف وزير التربية الوطنية والتكوين المهني والبحث العلمي والتعليم العالي ، لتصبح أيضا بعد تنزيل القانون الإطار17-51 المصادق عليه كسند قانوني لإرساء مشاريع إصلاح منظومة التربية والتكوين من طرف رئيس الحكومة بتاريخ 9غشت 2019 إحدى المداخل الرسمية للإنصاف وتكافؤ الفرص من خلال استدراك فرص التأهيل التربوي والمهني لجميع الأطفال والشباب المتواجدين خارج أسوار المدرسة ..بل وتشمل مداخل الإنصاف الديمقراطي داخل هذا الورش الإصلاحي أيضا أبناء المهاجرين واللاجئين في ظل كفالة الحق في التعلم والتوافق الإنساني المؤسس على قواعد الانتقال الديمقراطي السلمي.  لذلك لا ينبغي ترجمة إخفاق المدرسة العمومية في الاحتضان المجتمعي لرمزيتها التاريخية إلى فشل في منهجية المواكبة لمسلسل الإصلاح التنموي الحداثي بما لا يقبله العقل من سخافات وهذر لجهود ومخططات تنموية أو بكل ما يخرج عن نطاق شرعية النظام العام لأنه وبكل موضوعية ليس في ذلك ما يوجب القيام بحملة إشهارية ضد المدرسة العمومية ما دامت كل الحقوق المنسوبة إليها تعتبر حقوقا عامة  وتحميها الدولة …   عليه تكون إعادة إصلاح المدرسة العمومية المستمدة من رادة ملكية هي تتويج فعلي للإصلاح التنموي الوطني وفق ترتيبات سياسية حداثية من قبيل مواجهة تحديات التغيير والحداثة ..

” .. أؤكد مرة أخرى على أهمية التكوين المهني في تأهيل الشباب ،وخاصة في القرى وضواحي المدن من أجل اندماجهم في سوق الشغل والمساهمة في تنمية البلاد

جلالة الملك محمد السادس – خطاب ثورة الملك والشعب 20 أغسطس 2019

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.