الإعلام ومعالجة قضايا التنمية:بقلم عبد السلام الزروالي الحايكي / متخصص في علوم الإعلام والاتصال

0

 

الحلقة الثالثة :  

وفيما يلي بعض الاقتراحات العملية للخروج من حالة الفراغ الثقافي والإعلامي التي يعيشها الوطن العربي الآن :

1- وقف حملات الشتائم والاتهامات بين الدول العربية –عبر أجهزة الإعلام والثقافة- فورا، لأنها تتنافى مع المنطق –والأخلاق على الأقل- وتزيد الخلافات العربية اشتعالا، والمواطن العربي نفورا من أجهزة الإعلام والثقافة.

2- استخدام لغة موضوعية للإعلام والثقافة العربية والبعد عن التمويل والشعارات الزائفة. لغة تعبر عن الواقع فعلا وبصدق. ويرتبط بذلك ضرورة توخي الصدق والدقة في الأخبار والمعلومات حتى لا تفقد الجماهير العربية الثقة في أجهزة إعلامها وثقافتها الوطنية وتلجأ إلى الإعلام الوافد الذي لا يبغي غير مصالح بلاده الامبريالية في أغلبها.

3- رفع الوصاية الفكرية والإعلامية المفروضة على المواطن العربي من قبل الحكومات والأنظمة : فعلى الأنظمة العربية – التي تفرض ستارا من التعتيم الإعلامي والتشويش على جماهيرها- أن تعلم أن المواطن العربي في أي بقعة من الوطن العربي وحتى في أعماق الصحراء يستطيع بإدارة مؤشر الراديو أن يحيط علما لا بما يجري في بلده فقط بل بما يدور في العالم حوله أيضا ومن مصادر الإذاعات الأجنبية وغيرها. فالأحرى بهذه الأنظمة أن تكون صادقة مع نفسها ومع جماهيرها وأن تتوخى الصدق والموضوعية في إحاطة جماهيرها علما بالأحداث أولا بأول لكي تعيد بناء جسور الثقة بين أجهزة الإعلام والجماهير وتفوت على أجهزة الإعلام الوافدة الفرصة لاختراق صفوف الأمة العربية.

4- إلغاء الحواجز والقيود على حرية انتقال الإنتاج الثقافي والإعلامي العربيين –مثل الرقابة والجمارك- بين بلدان الوطن العربي الواحد.

5- تشجيع اللقاءات الفكرية بين مثقفي وإعلامي الدول العربية، وتشجيع الإنتاج الثقافي والإعلامي المشترك وتبادله بين الدول العربية.

6- دراسة أسباب ظاهرة صدور صحف ومجلات عربية من الخارج وبتمويل عربي لتقرأ في البلاد العربية، والعمل على تلافي هذه الأسباب، وتشجيع هذه الصحف والمجلات على العودة إلى الوطن العربي مع توفير الضمانات الكافية لها لكي تستمر وتنمو دونما خوف من بطش الأنظمة الحاكمة. وكذا إزالة المعوقات السياسية من أمام القمر الصناعي العربي لكي يبدأ دوره في خدمة الإعلام والاتصالات عبر الوطن العربي.

7- توفير الإمكانات المادية والعناصر البشرية المدربة لأجهزة الإعلام والثقافية لكي تؤدي دورها على وجه مرض. والاهتمام بمسوح الرأي العام وبحوث المستمعين والقراء العرب للوقوف على حاجاتهم الثقافية والإعلامية الحقيقية بدلا من التخمين والتخبط.

8- توفير جو من الحرية والأمن للعاملين في أجهزة الثقافة والإعلام لكي يبدعوا دونما خوف من إرهاب السلطة والحكومة، وذلك بإطلاق سراح الفكر والحد من عنجهية وسائل الإعلام الرسمية، واجتثاث الرقابة المتطاولة على كل صوت حر من جرائد ومجلات ومنابر ثقافية وإعلامية، ومخاطبة الوجدان الشعبي الجماهيري الذي يجب أن يحترم وأن لا يسقط من حسابات كل مشروع تنموي وتحريري وبإطلاق الطاقات المبدعة والخلاقة للإنسان العربي وتحريرها وكذا تعريفه بمشاكله وهمومه وبقضاياه المصرية بدل ذر الرماد في العيون وتحقيق برامج تستجيب لحاجياته وطموحاته… وبما يخدم مصلحة الكائن العربي في التحرر والتقدم.

9- ضرورة وجود خطة إعلامية والاهتمام بالتخطيط الإعلامي والثقافي والتركيز على دور الإعلام والثقافة في النهوض بالجماهير العربية ثقافيا وفكريا وإعلاميا وعلميا. فلا يجب أن ترتبط السياسة الإعلامية والثقافية بوجود شخص ما كرئيس أو وزير تنتهي بزواله أو تغييره، ولا يجب أن يكون الإعلام العربي عبارة عن ردود أفعال للأحداث بل يجب أن تكون هناك السياسيات الثابتة الراسخة والإعلام اليقظ الذي لا تفاجئه الأحداث أو أساليب الدعاية الإمبريالية.

10- ولكي تأخذ العملية الإعلامية والثقافية مداها الفعال في صفوف الجماهير العربية، نرى أنه يجب أن يكون هدف الإعلام والثقافة واضحا في مركز الثورة هاديا ومرشدا دائما، وأن يكون واضحا لدى رجل الإعلام والثقافة، ومحركا لطاقات الجماهير وفعاليتها، وألا يكون هناك تناقض أو تصور لتناقض بين الهدف وأهداف الجماهير، وألا يكون هناك صراع أو تصور لصراع بين الوسائل لتحقيق هذا الهدف، وينبغي أن يكون هناك تنسيق وتكامل بين أجهزة الإعلام والثقافة بشكل ينتهي إلى شيوع الفكر الملتزم.

ومما لا شك فيه أن هذا يمهد ويؤدي إلى تحقيق الوحدة العربية أمل كل عربي وطني مخلص، بل إن الوحدة العربية في حد ذاتها تعد عاملا من عوامل التغلب على الفراغ الثقافي والإعلامي في الوطن العربي.

خامسا : ليس كل ما هو أجنبي يعد غزوا للفراغ الثقافي والإعلامي في الوطن العربي

لا يجب أن يفهم من هذا البحث أنه دعوة إلى أن يغلق الوطن العربي على نفسه حماية لأبنائه من الغزو الثقافي. كما لا يجب أن يفهم أن كل ما هو أجنبي يعد غزوا ثقافيا ويجب بالتالي عدم قبوله ومحاربته.

إن الهوية الثقافية للأمة [العربية] لا ترفض الانفتاح والتفاعل البناء مع الثقافات الأخرى بل أنها تاريخاي تكونت كنتاج وطني وقومي منبثق من واقع معين ولكن أيضا باستيعاب لعناصر ثقافية أخرى وهضمها في عملية تفاعل طبيعية لم تنف الأصالة ولا أضعفتها. واليوم أيضا وحيث التأكيد على الهوية الثقافية والدعوة إلى صيانتها و الحفاظ عليها وتعزيزها، فإن هذه ليست دعوة إلى العزلة والانكماش. وبالتالي فنحن لسنا ضد كل ما هو أجنبي فهناك الكثير من النتاجات العلمية والتقنية والفنية الأجنبية شرقية أو غربية، يجب الاستفادة منها ووضعها في خدمة قضية التنمية والتقدم في البلدان المتنامية ومنها الوطن العربي. ولكن التحفظ والاعتراض الحازمين هما على الاستيراد الآلي، وعلى مجرد التلقي العشوائي في اتجاه واحد.

وعلى المستوى نفسه من الأهمية، تأتي قضية العمل الجاد والمخلص لإزالة العوامل التي تؤدي إلى حدوث الفراغ الثقافي والإعلامي في الوطن العربي والتي أشرنا إلى بعضها سابقا. ويجب أن نحسن –نحن العرب- التعالم والتبادل الثقافي والإعلامي مع العالم بشرقه وغربه بلا خوف أو تردد، وبما يخدم قضية التطور والتنمية الذاتية، وبما يحافظ على التراث الحضاري العربي وينميه. يجب أن تسود الموضوعية في التعامل مع ثقافة وإعلام الدول المتقدمة، ولا يجب أن يكون الغزو الثقافي هو المشجب الذي نعلق عليه تخلفنا. إنما تخلفنا هو الذي يجعلنا مرشحين للغزو عموما بما فيه الغزو الثقافي.

إن عالم اليوم هو عالم المصالح المتبادلة على أساس من المساواة والاحترام المتبادل. فلتتعامل الثقافة العربية مع الثقافات الأخرى بكل ثقة وتتفاعل معها بكل جدارة. فليس كل من الخارج يعد استعمارا. وليست الدول العربية هي البلدان النامية الوحيدة في هذا العالم. وبمعنى آخر، إن عالم اليوم هو عالم التعاون بين الدول صغيرها وكبيرها. فلم تولد بعد تلك الدولة التي تستطيع أن تعيش بمعزل عن العالم. فلابد من شكل أو آخر من أشكال التعامل والتعاون بين دول العالم. وجانب هام من ذلك يتمثل في التعاون والتبادل الثقافي والإعلامي، “ونحن العرب نعيش في عالم تتداخل فيه مصائر الشعوب والأمم وتتشابك ويؤثر بعضها في بعض بحيث يستحيل تماما تصور مستقبل أي قطر أو مجموعة أقطار في الوطن العربي في عزلة عما يحدث في العالم”.

وإذا كانت هناك بعض الدول الاستعمارية التي لا تزال تفكر بمنطق القرون الخالية، فإن هناك الكثير من الدول التي تمد إلينا – نحن العرب- يد الصداقة والتعاون المخلصين.

إن الباحث وكل عربي وطني مخلص ليتطلعون إلى اليوم الذي تصبح فيه الدول العربية وطنا واحدا وقوة دولية يحسب لها ألف حساب. ولكن هذا لن يتحقق بالشعارات وحدها وإنما بالتخطيط والعمل المخلص الجاد والتعاون والأخذ بأسباب المدنية وعلومها الحديثة.

  1. فلتتغاضى الدول العربية عن خلافاتها ولو مؤقتا في سبيل هدف أسمى وهو تحقيق قضية الوحدة، ولتجند كل وسائل الثقافة والإعلام في البلدان العربية لخدمة قضية الرددة بالبعد عن الاتهامات والشتائم والشعارات الجوفاء ولتبدأ كل وسائل الثقافة والإعلام في الوطن العربي بزرع بذور الاحترام المتبادل بين الأنظمة العربية واستخدام لغة العقل والمنطق –أو ما يمكن أن نسميه باللغة الهادئة والموضوعية- في التقريب بين الشعوب العربية إلى أن يتحقق يوم الوحدة العربية ولا يبقى بعيدا.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.