تربية وتكوين

الجامعة والمجتمع: نحو بناء اجتماعي لعالم رقمي إنساني مستدام

بوجدة: سميرة نبكوري.

نظمت شعبة علم الاجتماع بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بجامعة محمد الأول بوجدة برئاسة الدكتور ياسين زغلول، مؤتمرا دوليا للسوسيولوجيا الرقمية بشعار: الجامعة والمجتمع: نحو بناء اجتماعي لعالم رقمي إنساني مستدام. حضر وشارك في المؤتمر ثلة من الباحثين في علم الاجتماع والأنثروبولوجيا وعلم النفس والقانون من المغرب وتونس وألمانيا، جمع بين الجلسات العلمية والورشات والتكوينات لفائدة طلبة باحثين في سلك الدكتوراه والماستر وذلك في تاريخ 27 و28 أبريل2026 بقاعة الندوات بكلية الطب والصيدلة بوجدة.

جاء هذا المؤتمر في سياق الحضور المفرط للتكنولوجيا الرقمية التي أعادت بناء الواقع الاجتماعي بطرق جديدة وبمفاهيم جديدة، لذا كان لابد من النقاش السوسيولوجي حول الإشكالات التي تطرحها هذه التقنيات الرقمية على الفرد والمجتمع من جهة وعلى البحث السوسيولوجي من جهة ثانية. فالضرورة الاجتماعية تقتضي تدخل السوسيولوجيا لفهم وتحليل الواقع الرقمي وتقديم حلول للمشاكل الاجتماعية التي تطرحها، ولأجل ذلك تمت مناقشة في الجلسة العلمية العامة الموسومة بالرقمنة والتحولات الاجتماعية والثقافية من خلال مداخلة عالم الاجتماع المغربي أحمد شراك التي أشار فيها إلى ضرورة العودة إلى النظرية التقاسمية ونظرية التلقي باعتبارهما منظورا سوسيولوجيا يساهمان في فهم كيف نتلقى المعلومة وننتجها في الوقت ذاته، وهي إشكالية كبيرة هددت موقع النخبة التي كانت تملك حق الإلقاء والإنتاج، لذلك وصف البعض العصر الرقمي بعصر التفاهة والآخر بالجحيم الرقمي، وهو تقابل يشير إلى صراع بين الرقمي واللارقمي. ومن نفس الجلسة قدمت الدكتورة صابرين جلاصي من جامعة سوسة بتونس مداخلة بعنوان سيولة اللامكان في التجربة الدينية، مشيرة إلى أن الجسد الذي كان حاضرا في التجربة الدينية التقليدية لم يعد مهما في التجربة الدينية الرقمية، كما أن الفضاء الرقمي لم يقضي على الدين بل أعاد إنتاجه في أشكال أخرى.

ولقد ركزت مجموعة من المداخلات على موضوع الإدمان الرقمي من منظور سيكولوجي وتربوي وقانوني، قدمها الأساتذة الباحثون: الحسن جفالي هواري، حميد شيبوب، محمد بومديان والأستاذة الباحثة يسرى التازي، والتي أجمعت ضمنيا أن الفرد المعاصر صار أكثر ارتباطا بشبكات التواصل الاجتماعي التي أفرزت ظاهرة غير مسبوقة تتمثل في الإدمان الرقمي وما يطرحه من نتائج سلبية نفسية واجتماعية خصوصا لدى فئة الشباب المرقمن، الأمر الذي يتطلب رؤية مشتركة لكل الفاعلين الاجتماعيين، بالإضافة إلى رؤية بنيوية شاملة لجميع المتغيرات التي تؤثر على النظم والاجتماعية والثقافية مع ضرورة تعزيز ذلك بالضوابط القانونية والمؤسساتية.

وأشار المؤتمر إلى التغير الذي حدث في بنية العلاقات الاجتماعية من خلال الجلسة العلمية الموسومة بالتحولات الاجتماعية في العصر الرقمي، حيث قدمت الأستاذة حسناء عباوي مداخلة تطرقت فيها إلى ظهور مفهوم الحاضر الغائب داخل الأسرة، كما اشارت إلى ان السلطة وأشكالها داخل الأسرة لم تختفي وإنما استبدلت بالتفاوض. وفي سياق التحول الثقافي بفعل المتغير الرقمي أشار الدكتور فريد بوجيدة من خلال مداخلته التي تربط بين الواقع وصورته في الاعلام الرقمي، والتي نبه من خلالها الحضور إلى الوضع المفارق الذي ينضوي عليه الإعلام المرئي، إذ يلقي بستار كثيف على الواقع. لذلك اقترح إعادة قراءة الواقع من خلال الصورة باعتبارها وسيلة للبحث والمحاججة، فهي توضح وتبرهن وتحلل الظواهر بشكل مرئي فائق، ولتأكيد ذلك اعتمد على نماذج وأحداث واقعية تم تصويرها.

وفي اليوم الثاني 28 أبريل، تم تقديم ورشات وتكوينات نظمت لفائدة الطلبة الباحثين لتعزيز النقاش حول مضامين الظاهرة الرقمية من جهة، وكيفية بناء الموضوع السوسيولوجي للظاهرة الرقمية من جهة ثانية. لذلك تم الحديث عن الإثنوغرافيا الرقمية ونظريات السوسيولوجيا الرقمية من طرف كل من الدكتور عبد الحق الباكوري والدكتورة محجوبة قاوقاو حيث ركزا على أهمية تجديد العدة المفاهيمية والمنهجية لمقاربة الظواهر الرقمية، وذلك من أجل فهم وتحليل مستجدات الثورة الرقمية التي أفرزت أشكالا جديدة من التفاعلات الاجتماعية.

 جاء هذا المؤتمر لإعطاء نظرة حول التحديات التي يشهدها الفرد والمجتمع بفعل الرقمنة، وهي وجهة نظر تواكب استراتجيات المغرب الرقمي 2030، التي جعلت المغرب قطبا استراتيجيا للتنمية مع بناء سيادة رقمية للمجتمع قصد تقليص الفوارق الاجتماعية الرقمية. هذا المؤتمر كان فرصة لتعزيز النقاش السياسي حول المغرب الرقمي وإمكانية تدبير الشأن العام لتحقيق التنمية، لذا سطر المؤتمر في البداية عدة أهداف من بنيها إبراز قدرة هذه الاستراتيجية في تقديم حل لإشكالية الاندماج داخل المجتمع، وأيضا إبراز قدرة الفاعلين الجهوين في الانخراط في النقاش العمومي المرتبط بشروط تنزيل هذه الاستراتيجية، بالإضافة إلى تجديد الأدوات المنهجية لتحليل الظواهر المنبثقة عن الفضاء الرقمي مما يسهل عملية إنجاح استراتجيات المغرب الرقمي 2030.

يرى المؤتمر على المستوى التربوي أهمية تدخل المختبرات العلمية داخل الجامعة ودمج دينامية فيها تعزز ثقافة الابتكار الرقمي، أما على المستوى الاجتماعي تقديم حلول لإشكالية الفجوة الرقمية التي حاول المغرب أن يقلص منها عن طريق استراتيجية المغرب الرقمي 2030. فرهان المؤتمر إذن هو إحداث مرصد سوسيولوجي وطني للسوسيولوجيا الرقمية يُعنى بالديناميات الاجتماعية والاقتصادية والنفسية قصد تقديم حلول مبتكرة للمشاكل الاجتماعية التي ظهرت بفعل تدخل التكنولوجيا الرقمية، وهي فرصة أيضا للانخراط في النقاش السياسي لترسيخ مضامين استراتيجية المغرب الرقمي 2030.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى