عبد الله إبراهيم، رئيس أول حكومة يسارية في المغرب

0

قليل من المغاربة اليوم، من يعرف هذا الرجل السياسي المحنك، الذي رحل عنا في شتنبر 2005، وقليلون يعرفون أنه كان يقود أول تجربة للأمل، وأول حكومة كانت منشغلة، حقا وصدقا، بدسترة ودمقرطة وتحديث الدولة المغربية، لكن إسقاط الحكومة على ذلك النحو المخطط له من قبل «الطابور الخامس» أجهض أمل المغاربة.
وقد ظل عبد الله ابراهيم أيقونة قيادية ذات سلطة أخلاقية وضمير سياسي واضح، غير منغمس في المساومات والدسائس
وترتيبات الظل.
وقد جنحت زكية داوود، عبر مؤلفها الحديث « عبد الله إبراهيم: تاريخ الفرص الضائعة»، نحو استعراض السيرة الذاتية لواحد من إيقونات النضال السياسي بالمغرب، شخصية اجتمعت فيها صفات الثقافة الذكاء والحنكة السياسية، عبر تجميع مجموعة من أبرز الصور والبورتريهات، فضلا عن شهادات لأشخاص عاصروا عبد الله ابراهيم وتاريخه السياسي.

لاحظ عبد الله ابراهيم أن البلد الذي يعيش التخلف لا يعيشه إلا مع الآلة القمعية، كما الحال في غشت 1973، حيث أرسل جنود الصخيرات بشكل سري إلى سجن تازمامارت. مذكرا بنقاط القوة والضعف لدى الاتحاد الوطني للقوات الشعبية. وقد تركزت نقاط القوة لدى الاتحاد، حسب ما يرى، في موضوعية تجسيد الروح المطالبة بالاستقلال، عبر تموقع المناضلين بجميع القطاعات التنظيمية، مؤسسين لقوة شعبية عميقة وقدرة عالية على التحمل. في حين تتمثل نقاط الضعف، في الموروثات والتناقضات و الأساليب والتوقعات التي كانت تعرفها الطبقتان البورجوازية الصغيرة والأطر السياسية التابعة لها.
يلاحظ عبد الله ابراهيم بعض الاختلالات الوظيفية في التنظيم، كغياب القرار النقابي المسؤول والانضباط الديمقراطي القائم على اتساق وتضامن جميع الأطر المناضلة.
دعا عبد الله ابراهيم، بعد الإعلان في 16 من غشت عن ميثاق الصحافة، إلى ضرورة التأسيس للقيادة التطورية، المتماسكة في التفكير بالذات وطرق المقاومة، وبضرورة تضمين الكتل الشعبية المنظمة والمنضبطة، المكونة من اعضاء متحدين عبر الالتزام وليس بالتعاطف، وضرورة الاحتكام وتنفيذ الأوامر النضالية، مستعينين بالاستنتاجات العلمية الدقيقة لمكونات المجتمع المغربي، وأخيرا عدم جعل الحركة والخط السياسي، سفراء للمبادرات الطائشة و المؤثرة بالسلب.
واجه عبد الله ابراهيم، خلال مناسبتين في 18 و 20 من أبريل، الحظر المفروض على الجريدة التي يحررها، عبر مقال بعنوان «إن الأفعال متروكة لقضاء التاريخ»، مؤكدا أن المنع موجه نحو الاتحاد، بمناسبة الجلسات الإقليمية التي يعقدها أطر الحزب، حيث أوضح أن السلطات المسؤولة ستسعى إلى القمع، راغبة في إدامة نفوذ الملكية.
إن القمع بحسب عبد الله، ليس مستندا على أسس قانونية، لأنه أشبه بالقمع الاستعماري، فهو عمل غير قانوني ومشين في حق البلد، في وقت تسعى فيه الدول للتطور التكنولوجي، مذكرا بالتبعات الكارثية لاختناق الآراء و الاستيلاء على الحريات.
تساؤل عبد الله ابراهيم، في 27 من سبتمبر 1973 «عن طريقة تجديد الأطر في المغرب؟»، اذ جاء هذا التساؤل في فترة صعبة، إبان الدخول المدرسي وفي فترة اتسمت بتعديل خطط النظام الممقوتة بالإجماع، والموجهة نحو الضياع والبؤس والجريمة وفقدان الأمل..إن عجلة الزمن تدور بنفس الدقة، سواء بالنسبة للأغنياء أو الفقراء.
عاش المغرب يومين من الأحداث الصعبة، المتمثلة في حالة من الجمود والثبات الدائمين، بسبب القوة لتنتج عنها الأزمة البنيوية، مطالبا لأجل الخروج منها بتحرك القوى والكتل الواعية، باعتبار أن الطريق الوحيد لم يعد بالخيار الأساسي، في مواجهة الخيارات التنموية الصحيحة.
كتب عبد الله ابراهيم، بتاريخ 20 من ديسمبر في بحث منشور بالجريدة، معيدا ومكررا في الرغبة في هيئات الديمقراطية منتخبة دون قيود، تسعى لتحقيق مطالب الشعب على أرض الواقع، لان العلاقات ما بين الشعب والحكومة قد تدنت، في خضم التحكم في الصحافة وتقييد الاجتماعات، وحرمان النقابات من حقوقها.. ان الشعب المغربي كنتيجة لهذه الأحداث، أصبح يصارع في بنيات منسية، تمنع قدراته وإمكانياته الذاتية من الارتقاء.. طرح عبد الله ابراهيم عدة أسئلة، بخصوص سياسة السدود والمستفيدين منها، ولأصحاب أية مشاريع سياحية ستوجه، وقد تساءل عبد الله ابراهيم أيضا، عن وجهة تمويلات الفروع والمشاريع الأجنبية، الممولة من طرف الابناك المغربية..
إن المغرب يتكون من نسبة 60 في المئة من الشباب، في مقابل 17 مليون من ساكنته.. ومع تفاقم الأزمة الاجتماعية، فان الأفاق المستقبلية للخطط الاجتماعية، تعرف نهايتها قبل الشروع بها على أرض الواقع.
نادى عبد الله ابراهيم، بتاريخ 27 ديسمبر 1973، إلى الاحتكام الى العقل والوعي، في خضم الصراع السياسي بالمغرب، مستندا إلى معطيات من تلك الفترة، بينت بأن قرابة 93 في المئة من النخبة الشعبية، تتوسط أعمارها 53 سنة، وأن 52 في المئة منهم من الطبقة البورجوازية، وأن 90 في المئة منهم حاصلون على شهادات عليا، وان 14 في المئة منتمون للتعليم العتيق.
وقد سعى عبد الله ابراهيم، الى حشد التقنيين حول طاولة حوار مسؤولة و وطنية، للاستماع إلى طلبات الشعب المكلوم، ولمجتمع يطالب بالتموقع الحيادي السياسي…
حزن عبد الله ابراهيم، على الرحيل السياسي لعلال الفاسي، في سنة 1947 وتحديدا في 13 من ماي، ليتلوها حدث وفاة ابنه زاكي في 30 من يوليوز، إثر أزمة قلبية مفاجئة ألمت به، كونه مصابا بمرض الربو، ما دفعه للانتقال إلى مدينة مراكش، وليتابع استشفائه بمدينة الدار البيضاء، والذي لم يفلح في إيقاف أزمة الربو الحادة التي فاجأته. لقد كان شخصا حنونا ورومانسيا، منتبها لإخوته و أخواته، بحسب ما ذكر «طارق»، الذي قال بان وفاته قد تركت أثرا عميقا في قلب والده عبد الله ابراهيم.
(النهاية)

الكاتب : ترجمة : المهدي المقدمي

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.