طعن الاتحاد السنغالي لكرة القدم أمام محكمة التحكيم الرياضي: التوضيحات القانونية وقوة المركز القانوني للجامعة الملكية المغربية لكرة القدم والكونفدرالية الإفريقية

بقلم الأستاذ محمد بلماحي _ محام
عقب قيام الاتحاد السنغالي لكرة القدم بإيداع طعن يوم الأربعاء 25 مارس 2026 أمام محكمة التحكيم الرياضي بسويسرا ضد قرار لجنة الاستئناف التابعة للكونفدرالية الإفريقية لكرة القدم، أصبح من الضروري تقديم توضيحات قانونية بشأن القواعد الإجرائية والنظم القانونية التي تحكم هذا المسار التحكيمي. ويستند القانون الرياضي المعتمد أمام محكمة التحكيم الرياضي إلى منظومة من اللوائح الدولية التي وضعتها الهيئات الرياضية الكبرى، وعلى رأسها اللجنة الأولمبية الدولية والاتحاد الدولي لكرة القدم، إضافة إلى أنظمة عدد من الاتحادات الرياضية الدولية. وتختلف هذه اللوائح باختلاف طبيعة النزاع المعروض، سواء تعلق الأمر بمسطرة استئنافية أو بمسطرة عادية، مع حضور بارز للقوانين التقنية الخاصة باللعبة، ولا سيما لوائح الاتحاد الدولي لكرة القدم.
طبيعة محكمة التحكيم الرياضي واختصاصها
وتتميز محكمة التحكيم الرياضي بطبيعتها التحكيمية الخاصة، إذ تنظر في النزاعات المعروضة عليها من جديد من حيث الوقائع ومن حيث القانون، وفق مبدأ إعادة النظر الكاملة في الملف. وهذا ما يجعلها تختلف عن المحاكم التقليدية التي تقتصر في كثير من الأحيان على مراقبة سلامة تطبيق القانون دون إعادة فحص الوقائع.
القواعد الإجرائية المنظمة للمسطرة
أما من حيث المسطرة المتبعة أمام الهيئة التحكيمية، فإن محكمة التحكيم الرياضي تعتمد أساسا على القواعد الإجرائية المنصوص عليها في مدونة التحكيم الخاصة بها (CAS Code)، ولا سيما المواد الممتدة من R27 إلى R59. وتنظم هذه القواعد مختلف مراحل التحكيم، بدءا من كيفية مباشرة الإجراءات، مرورا بسرية الجلسات، وآليات تعيين المحكمين، وصولا إلى مساطر الاستئناف. وتتميز هذه الأحكام بخصوصية أساسية تتمثل في أن القرارات الصادرة عن محكمة التحكيم الرياضي تكون نهائية وملزمة، ولا تقبل الطعن بالاستئناف أمام هيئات قضائية أخرى، باستثناء إمكانية رفع دعوى إلغاء محدودة أمام المحكمة الفيدرالية السويسرية، وهو إجراء نادر في التطبيق العملي.
تشكيل هيئة التحكيم
وتتكون محكمة التحكيم الرياضي من خبراء قانونيين دوليين مسجلين ضمن قائمة رسمية للمحكمين المعتمدين لديها. وغالبا ما تعرض القضايا المعقدة على هيئة تحكيمية ثلاثية، حيث يعين كل طرف محكما واحدا، فيما يتفق المحكمان على اختيار رئيس الهيئة التحكيمية. وفي مثل هذه القضايا، يعين كل من الاتحاد السنغالي لكرة القدم والكونفدرالية الإفريقية لكرة القدم محكما، بينما يتم اختيار رئيس الهيئة بشكل مشترك بينهما، على أن لا يكون من جنسية أي من الطرفين ضمانا لمبدأ الحياد والاستقلال.
وعند نظر النزاع، تعتمد المحكمة في المقام الأول على اللوائح التنظيمية للهيئة الرياضية التي نشأ النزاع في إطارها. وفي الحالة الراهنة المتعلقة بالطعن المقدم من الاتحاد السنغالي لكرة القدم، فإن لوائح الكونفدرالية الإفريقية لكرة القدم تشكل المرجع القانوني الأول، ضمن ما يعرف بمنظومة القانون الرياضي الدولي
(Lex Sportiva).
وفي حال وجود فراغ قانوني في هذه اللوائح، يمكن الرجوع إلى أنظمة الاتحاد الدولي لكرة القدم باعتبارها إطارا تكميليا، كما يطبق القانون السويسري بصفة احتياطية باعتباره القانون المرجعي لمقر المحكمة.
تطور قواعد التحكيم الرياضي
وقد شهدت قواعد عمل محكمة التحكيم الرياضي تطورا ملحوظا منذ تأسيسها سنة 1984، حيث خضعت لعدة إصلاحات تنظيمية. وتعمل المحكمة حاليا وفق آخر التعديلات التي دخلت حيز التنفيذ في يوليوز 2025، والتي أتاحت قدرا أكبر من المرونة الإجرائية، من بينها إمكانية اتفاق الأطراف على تحديد الآجال الزمنية للمسطرة، فضلا عن اعتماد مسطرة معجلة بموافقة رئيس الغرفة التحكيمية أو الهيئة المختصة، وفق ما تنص عليه المادة R44.4 من المدونة الإجرائية.
وفيما يتعلق بآجال إصدار القرار، تنص المادة R59 على ضرورة تبليغ منطوق الحكم في أجل أقصاه أربعة أشهر ابتداء من تاريخ إقفال إجراءات التحقيق في الملف، وليس من تاريخ بدء المسطرة. وإذا لم يتم احترام هذا الأجل، فإن النظام الداخلي للمحكمة يتيح اتخاذ تدابير تنظيمية وفق المادة R35، من بينها تخفيض أتعاب المحكمين، دون أن يشكل ذلك بالضرورة عقوبة تأديبية مباشرة كما يفهم أحيانا.
حقوق الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم
وفي هذا السياق، تظل حقوق الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم محفوظة بالكامل في إطار هذه المسطرة التحكيمية. إذ يمكن لها التدخل في الملف بصفة طرف ثالث من خلال تقديم ملاحظات أو آراء قانونية في إطار ما يعرف بـ صديق المحكمة (Amicus Curiae)، وفق ما تنص عليه المادة R41 من مدونة التحكيم، وهو إجراء يسمح بإغناء النقاش القانوني وتوضيح بعض الجوانب المرتبطة بالنزاع.
أما بالنسبة لأجل الطعن الذي يحق للاتحاد السنغالي لكرة القدم الاستفادة منه، فإن القاعدة العامة في مساطر الاستئناف أمام محكمة التحكيم الرياضي تحدد هذا الأجل في عشرة أيام، ما لم تنص الأنظمة الأساسية للهيئة الرياضية المعنية على أجل مختلف، أو في حالة غياب نص صريح ينظم هذه المسألة.
خلاصة قانونية
وبناء على هذه المعطيات القانونية والإجرائية، يتضح أن النزاع المعروض أمام محكمة التحكيم الرياضي سيخضع لمنظومة قانونية دقيقة تجمع بين قواعد القانون الرياضي الدولي ولوائح الهيئات الكروية المعنية، وهو ما يجعل دراسة الملف مرتبطة بمدى احترام المساطر النظامية وتوازن المراكز القانونية للأطراف المعنية، وفي مقدمتها الكونفدرالية الإفريقية لكرة القدم والجامعة الملكية المغربية لكرة القدم.




